مرصد حرب السودان : تقرير
أوضاعٌ أقلّ ما تُوصَفْ بها أنّها مُزريةٌ ترزحُ وتكتوى بلهيبِ لظاها المرأةُ الريفية بالسودان ، وهى تُجابهْ بجَلَدٍ وأناةٍ ما أفرزته وقائعُ حرب الخامس عشر من أبريل 2023 المتطاوِلة.
احتفلتْ بلدانُ العالم يوم الخميس 15 أكتوبر 2026، باليوم العالمى للمرأة الريفية وهو اليوم الذى خصّصته الجمعية العامة للأمم المتحدة ليكون يوماً دولياً لها، اعترافاً وتسليماً بالادوار التى تلعبها وتضطلعُ بها نساء الريف فى تعزيز التنمية الريفية عبر ممارسة مهنتى تربية ورعى الحيوانات المنزلية وفلاحة الأراضي الزراعية لتحسين مستوى الأمن الغذائى والقضاء على الفقر فى الريف.
أنّ المرأة الريفية فى السودان، ظلّت تُعانى فى فترات ماقبل اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023م ، تفاقمت هذه المعاناة أضعافاً مضاعفة مع تطاول آماد الحرب.
وتقرعُ بياناتُ الوكالات الأممية التابعة للأمم المتحدة أجراس الإنذار المبكر وهى تُشير فى تقاريرها بانتظامٍ إلى أنّ السودان يُواجه أكبر أزمة جوع ونزوح فى العالم نتيجةً لاستمرار الحرب وتداعياتها، و أخطر هذه البيانات الإحصائية ما أعلنته وكالتى( برنامج الأغذية العالمى WFP والأغذية والزراعة العالمى FAO ) بأنّ نحو 20 مليون شخص يٌعانون من الجوع الحاد وهو مايُعادل قرابة 40% إلى أكثر من 40% من سكان البلاد).
ونسبةً لتقارب زمنى الاحتفال باليوم العالمى للمرأة الريفية واليوم العالمى للقضاء على الفقر ( 17 أكتوبر من كل عام ) ، أُشير إلى أنّ البروفيسور البنغلاديشى محمد يونس فى كتابه القيم ( نحو عالمٌ خالٍ من الفقر ) لفت الانتباه إلى أنّ المرأة الريفية هى أكثر الفئات تضرراً من الحروب وويلات الفقر.
الصِّعاب والتحدِّيّات الماثلة أمام المرأة الريفية فى ظلِّ الحرب
واجهتْ المرأةُ الريفية فى السودان فى أتونِ الحرب صعاباً وتحدياتٍ جمّة كنتاجٍ طبيعى لامتداد حرب الخامس عشر من أبريل 2023، التى بدأت كحربٍ مدينية اندلعت شرارتها الأولى من المدن، ولكنها سرعان ما انتقلت إلى الأرياف السودانية ، فاستحالت القرى الوديعة والحقول المخضرّة إلى مناطق حربٍ ضروس ونزوحٍ متراكم.
مما ضاعف من الأثقال والأعباء الملقاة على عاتق المرأة الريفية فى أعقاب انهيار كافة مقومات الحياة الأساسية فى المدن حذوك الحافر فى الريف.
وتقول النازحة حليمة حسن التى اضطرتها استعار الحرب بمدينة الدبيبات للنزوح إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض لمرصد حرب السودان، أنّها نزحت مقهورةً رفقة ثلاث من أبنائها وإحدى بناتها من ريفى مدينة الدبيبات كعادة كل سكان القرية بعد تعرُّضها لقصفٍ بطيران الجيش.
اضافت ’’ انها سارت على الأقدام تاركةً كل ممتلكاتها ومحاصيلها الزراعية كحال جميع سكان القرية الذين أُجبِرُوا على مغادرتها لأول مرة حفاظاً على حيواتهم وسلامتهم ‘‘.
وقالت أنها كريفية تُمارس مهنة الزراعة وتربية الحيوانات الداجنة، تشعرُ بغصّةٍ لا تُفارقها مهما حاولت، لأنها تركت دارها وديار أهلها ومزرعتها وأغنامها ودجاجها، فهى مسُهُومةٌ دوماً ولا تستطيع الفكاك لحظةً من الحنين إلى بلدها ومسقط رأسها وجيرانها وأهلها.
اوضحت ’’ إنها تتضرّع طوال يومها إلى الله كى يُوقف الحرب المدمرة حتى تعود لديارها وأهلها ‘‘.
أما النازحة فطومة والتى نزحت من مدينة الميرم بولاية غرب كرفان إلى مخيم المعسكر الموحد بمدينة الأبيض بولاية شمال كردفان.
فقالت لمرصد حرب السودان ’’ منذ النشأة والميلاد ، ظللنا عائشين فى أمنٍ وسلام بقرية شقادى ريفى الميرم إلى أن انتقلت إلينا الحرب ، فأجبرتنا على التشرد والنزوح لأول مرة ، واجهنا خلال رحلة النزوح وسط خطوط النار والقتال ، صنوفاً من المعاناة ما لا يمكن أنْ يخطر على خيال أو قلب بشر ‘‘.
وقالت أنها تشعر بالأسى والألم لأن نساء قريتها اللاتى تركتهنّ بالقرية، يواجهن صعوباتٍ جمّة فى سبيل الحصول على مياه الشرب ، فيضطررنا لقطع مسافاتٍ طويلة لجلب الماء، كما يُعانينَ فى سبيل الحصول على الأدوية المنقذة للحياة وعلى الرعاية الاولية للأمومة والطفولة.
واضافت أنّ أكثر ما يُقلقها على أهلها بالقرية، ما يتواتر منها عن فشل الموسم الزراعى للعام 2026، بسبب تراجع معدلات الأمطار بعموم ولاية غرب كردفان وكحال عموم أنحاء السودان، فأصبح أمنهم الغذائى فى خطرٍ داهم، وناشدت أطراف الحرب لايقافها والجنوح للسلم وحتى لا تشمت فينا شعوب العالم والقول بأنّ السودانيين ماتوا جوعاً.
أما الخبيرة الزراعية صباح سليمان والتى عادت إلى مدينة بابنوسة مؤخراً ، فقالت لمرصد حرب السودان ، أنّ أسئلة الحماية وحماية المرأة عموماً والمرأة الريفية خاصةً، لاتزال تُطرح يومياً بمدينة بابنوسة.
وقالت ’’ عملنا فى شبكة نوافذ الأمل النسوية عقب العودة للمدينة، فى الاهتمام بدعم الاقتصادى المعيشى للنساء الريفيات، فقمنا بعمل الجباريك المنزلية ، لكننا واجهنا تحدى التمويل وتراجع معدلات هطول الأمطار فى خريف هذا العام ، أنّ كل المؤشرات تُؤشر إلى جفافٍ مقبل ونُذر مجاعة ‘‘.
وأشادت بالجهود المبذولة من قبل قادة الدعم السريع فى توفير الإغاثة للعائدين من مواطنى المدينة.
وطالبت بتكثيف الأنشطة التى تُعنى بحماية المرأة الريفية لأنها أكثر فئات المجتمع هشاشةً.
طالبت الجهات الداعمة لتوفير التمويل اللازم والضامن لاستمرار التكايا، والمطابخ والتى لعبت دوراً كبيراً فى توفير الغذاء للأسر أثناء فترات النزوح الطويلة.
وقالت صباح إلى أنّ أشدّ ما استرعى انتباهها هو تراجع الدور الاقتصادى لنساء الريف اللائى كنّ يجلبن الحليب والحطب لسكان المدينة وذلك بسبب تراجع حرفة تربية الحيوانات وانحسار المساحات الغابية، وخطر التصحر الذى لا يُخطئه العين ، بسبب الاعتماد الكلى على الحطب كوقودٍ للطبخ وغياب بدائل الطاقة الأخرى.
وأشادت صباح ببعض قصص النجاح والصمود التى سجلتها بعض النساء الريفيات من اللاتى نلن قسطاً من التعليم واللاتى انخرطن مع المتعلمات من النازحات فى إدارة مطابخ التُّكُل وتكوين المبادرات القاعدية والتى أسهمت فى تخفيف حدة المعاناة عن المرأة الريفية.
وأشارت صباح إلى التحديات البيئية واعتبرتها من أكثر التحديات خطورةً سيما فى المرحلة التى ستعقب وقف الحرب.
فى ذات السياق، قالت إحدى نازحات مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان بمخيم إيواء وحدة البيطرى بمدينة أبوزبد بولاية غرب كردفان لمرصد حرب السودان وتحفّظت على ذكر إسمها، أنّ النازحات من بنات جنسها أصبحن مهجّسات ومُسهّدات بمعاودة طيران الجيش ومُسيّراته قصف قرى ومدن ولاية غرب كردفانز
واكدت أنّ أقسى ما تُعانيه المرأة من لحظاتٍ قاسيات عندما ترى صغيرها يئنُّ ويتلوّى من ألم الإصابة بمُسيّرة، لذلك ناشدت أطراف الحرب فى السودان بالكفِّ عن الاستخدام المفرط لسلاح المُسيّرات الجبان فى حربهما والعودة لاستخدام الأسلحة التى يستخدمها الرجال الحقيقيون فى حروبهم منذ الأزل.

أما الأستاذة ملهمة عبدالرحمن الناشطة فى مجال تنمية المرأة الريفية، فقالت لمرصد حرب السودان أنّ المرأة الريفية بإدارية التبون التابعة لمحلية بابنوسة بولاية غرب كردفان سيِّما تلك التى تُمارس التجارة الدّوّارة لإعالة أسرتها، قِرنَ هذه الأيام فى بيوتهنّ تزامناً مع عودة قصف مسيّرات الجيش لقرى ومدن غرب كردفان وذلك خوفاً من استهداف المركبات التى تقلَهُنّ من سوقٍ دوّارٍ لآخر.
وقالت ملهمة أنّ حرب الخامس عشر من أبريل 2023م ألقتْ بظلالٍ سالبة على المرأة الريفية ، التى ترمّلت وتطلّقت ، فأصبحن العائلات الوحيدات لأسرهنّ، طالبت ملهمة أطراف الحرب لايقافها والجنوح للسلم.
كما طالبت المجتمع الدولى بالضغط على أطرافها لمنع استخدام المُسيّرات بكافة أنواعها فى حربهم المتطاولة، والأمم المتحدة بالضغط على الأطراف التى تدعم أطراف الحرب بالامتناع عن تزويدهم بالسلاح وكلما من شأنه أنْ يحفزهما للاستمرار.




