تحقيق: إعادة بناء تحقيق أحداث الفاشر
ناجيين من الأحداث: لم يكن هناك مخرج من الفاشر سوى خندق الموت ؛الترتوار؛
Authors and Producers: Klaas Vandijikin, Julia Steers, Amel Guettatfi, Laila Al-Arian, Tessa Pang, Wael Eskandar, Daniel Van Oudenaren and Sudan War Monitor team
تحذير: يحتوي هذا التحقيق على مشاهد عنف دموية وصور صادمة
سودان وور مونيتور – لايت هاوس ريبورتس – الجزيرة فولت لاينز
أعاد مرصد حرب السودان، بالتعاون مع لايت هاوس ريبورتس والجزيرة فولت لاين، بناء تحقيق حول مدينة الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور، التي شهدت أهوالًا ومجازر مروعة خلال محاولات قوات الدعم السريع السيطرة عليها. وأسفرت عملية الاستيلاء على المدينة في ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٥م عن مقتل الآلاف، وتخللتها حالات اغتصاب واسعة ضد الفتيات والنساء، إلى جانب أعمال نهب وانتهاكات استهدفت الفارين من المدينة. ووصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، السيد فولكر تورك، ما حدث بأنه “كارثة إنسانية مروعة كان يمكن تجنبها”. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى مقتل ما لا يقل عن ٦٠٠٠ شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى من دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة، فيما تؤكد تقارير ميدانية وشهادات من منسوبي الدعم السريع وآخرين أن عدد الضحايا يفوق ذلك بكثير.
وبحسب الإفادات، أدى الخندق الذي حفرته القوات المعنية حول المدينة إلى تضييق مسارات فرار السكان، ما أجبرهم على المرور عبر ارتكازات أقامتها قوات الدعم السريع لمحاصرتهم. كما تمت ملاحقة أعداد كبيرة من الفارين الذين حاولوا عبور الخندق، حيث أُطلق عليهم الرصاص وقُتلوا بدم بارد، ثم تُركت جثامينهم في العراء، الأمر الذي دفع سكان القرى المجاورة إلى جمعها ودفنها في مقابر جماعية متفرقة، ضمت معظمها ما بين ١٠ - ٢٠ جثة.
وخلال هذا التحقيق، تمكن الفريق من مقابلة عدد من الناجيات اللاتي روين تفاصيل الاعتداءات والاستغلال الذي تعرضن له، إلى جانب شهود عيان وجامعي الجثث حول الخندق. كما شمل التحقيق تحليل صور دقيقة التقطتها الأقمار الصناعية، ومقاطع فيديو نُشرت لاحقًا. وتحدث الفريق أيضًا إلى بعض قيادات الدعم السريع، الذين أكدوا إفادات سابقة تفيد بأن عدد القتلى تجاوز ١٠٠٠٠ شخص أثناء الاستيلاء على المدينة، فضلًا عن ضحايا القصف المستمر خلال الأشهر التي سبقت ذلك. وبينما ركز التحقيق الأول على انتهاكات الفاشر وجرائم القتل العلنية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، يسلط هذا التقرير الضوء على الممارسات الخفية، وانتهاكات حقوق الإنسان، والاعتداءات على النساء، وغيرها من الجرائم التي ارتُكبت على نطاق واسع خلف الخندق وعلى الطرقات بعيدًا عن الكاميرات، بخلاف ما جرى يوم سقوط الفاشر.
وتكمن أهمية إعادة بناء التحقيق في أن التقارير السابقة ركزت بصورة أساسية على عمليات القتل التي صاحبت دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة، بينما يكشف هذا التحقيق عن انتهاكات ممنهجة واسعة النطاق تعرض لها المدنيون، شملت التخطيط المنظم والمحكم لاستهدافهم وملاحقتهم عبر حصار المدينة، إلى جانب الاحتجاز والاستغلال الجنسي والعمل القسري، لا سيما بحق النساء، فضلًا عن الاغتصاب والقتل الجماعي للمدنيين.
حصار المدينة وإستهداف المواطنين
في أواسط العام ٢٠٢٥م، وفي إطار محاولاتها المستمرة للسيطرة على مدينة الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور السودانية وبعد الإستيلاء مباشرة على معسكر زمزم للنازحين في أبريل ٢٠٢٥م والذي كان يأوي أكثر من مليون نازح، قامت قوات الدعم السريع والتي كانت تسيطر بالفعل على الأجزاء الشرقية من المدينة منذ بداية الحرب منتصف أبريل ٢٠٢٣م، قامت بفرض طوق أمني عبر حفرها خندق محاذيا للمناطق التي كانت تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها بينها القوات المشتركة التابعة لسلام جوبا و آخرين، حتى تتمكن من منع وصول البضائع والمساعدات الإنسانية وحركة المواطنين من وإلى المدينة وبالتالي إجبار الأهالي للمغادرة عبر ممر تم تحديده خلال الخندق مع إستمرار عمليات القصف العشوائي من عدة جهات ودون تمييز ما تسبب في مقتل وإصابة العديد من المدنيين وتدمير معظم أجزاء المدينة، وسط إنقطاع الامداد الغذائي وخدمات المياه وغيرها، مما أضطر العديد من الأهالي مغادرة المدينة قسرا، حيث قال أحد الناجين والذين كان ضمن مئات آخرين “الحصار، والبلد بقت ضيقة وانعدام الامن الغذائي، والمياه كانت واقفة، طلعنا من الساعة الثانية والنصف صباحا، بعد صلاة الصبح تحركنا اتجاه البوابة الرئيسة للفاشر اتجاه حلة الشيخ، انتظرنا بقية الاسر في ناس بكارو و شايلين ناس عيانين بالدرداقات كبار سن”.
وبينما كانت قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها تكرر نداءاتها للمواطنين بمغادرة المدينة مع تحديد مهلة زمنية مرفقة بتهديد علني كل مرة، فإنها كانت قد أحكمت سيطرتها فعليا على مخارج المدينة وإغلاق جميع المنافذ الأخرى حيث أفاد عدد من الذين تحدث إليهم فريق التحقيق إن قوات الدعم السريع التي كانت تتحكم في البوابة الرئيسية المحددة لخروج المواطنين من المدينة عبر منطقة قرني نحو بلدة طويلة بمنطقة شرق جبل مرة، كانت تقوم بتفتيش الفارين تفتيش شخصي يهدف إلى العثور على ما يدلل بتورط الافراد في أعمال يمكن ربطها بالقوات المسلحة السودانية وحركات سلام جوبا التي كانت تقاتل قوات الدعم السريع من داخل المدينة، بينما في الوقت ذاته نشرت العديد من نقاط التفتيش في المنطقة الواقعة بين الفاشر ومنطقة قرني تمارس خلالها أبشع أنواع الممارسات، حيث أفاد شهود عيان أن عمليات قتل نهب وإعتداءات جسمية وجنسية متكررة وقعت في تلك المنطقة الامر الذي يجعل الوصول إلى منطقة قرني كابوسا آخر للفارين من جحيم الجوع والموت، حيث أفاد أحد الشهود “هم الناس ديل منتشرين في الشارع، اغتصابات ونهب وقتل في الشارع شالو تلفوناتنا كل كم متر تفتيش دا قبل ما تحصل البوابة والخندق بين حلة الشيخ وهشابة لحدي ما تمشي بوابة قرني دا ياهو دا المحل الخطر”.
وأضاف ناج آخر، أحد الناجين إن هناك نقاط تفتيش كثيرة بين الفاشر وقرني يتم فيها قتل ونهب الناس والاعتداء عليهم في أغلبها حيث تعرض هو الآخر للنهب كما شاهد عمليات إعتداء وقعت أمام أعينهم بجانب مشاهد لقتلى على قارعة الطريق، حيث قال “خرجنا من الفاشر يوم ١٥/١٠/٢٠٢٥م باتجاه المدفعية ثم الابحاث الزراعية من ناحية الجنوب الغربي شاهدت اول مشهد بعد حلة الشيخ جثمان منتفخ في الشارع العام ليه اربعة وعشرين ساعة تقريبا والريحة كانت طالعة منه، تم تهديدنا واخذوا كل ممتلكاتنا حتى التلفونات، كل بعد مائة متر هنالك تفتيش على طول الطريق الربط بين الفاشر وقرني”. بينما ذكرت ناجية أخرى إنها تعرضت مع آخرين للضرب والنهب من قبل عناصر الدعم السريع في نقطة بين الفاشر وقرني، بالقول “في طريقنا لقرني لقينا مجموعة من عربات الدعم السريع وقفونا وهددونا، شالو مننا حاجاتنا وكل شيء، انا ضربوني في وشي بالبوت ضربات عنيفة فقدت الوعي لمدة ثواني”.
وبين شهود عيان غادروا المدينة قبل سقوط الفاشر على يد قوات الدعم السريع بأيام، أن عمليات التفتيش شملت تصوير الفارين والتحقق منهم عبر عناصر داخل المدينة حتى يقرر بمصيرهم فيما إذا كان يطلق سراحهم أم لا، بجانب نهب ومصادرة أغراضهم الشخصية بينها مبالغ مالية والهواتف بجانب متعلقات أخرى. وذكر عدد من الشهود إنه تم القبض على عدد من المواطنين واعتقالهم وأخذهم إلى معتقلات الدعم السريع بشرق المدينة، كما بين شهود العيان أن عمليات الاعتقال كانت تتم بعد تصوير الفارين لغرض الاعلام والدعاية وأضاف بالقول “تعرضنا لإساءات لفظية وعنصرية لحدي ما وصلنا الترتوار (الخندق)، في بوابة قرني يتم جمع الناس ويتم تصويرهم ويرسلو رسائل إعلامية بأنهم ليس لهم عداوة مع المواطنين ويطلبوا منهم الخروج وان الطريق آمن ومنها بتم اعتقال الناس حسب بيانات المصادر”.
كما كشف شاهد آخر إن سؤال القبيلة كان حاضرا طوال الوقت، حيث يتم إعتقال كل الذين ينحدرون من قبيلة الزغاوة تحديدا دون الحاجة إلى أي سبب آخر، مشيرا إلى أنه كان يصعب لمنسوبي قيبلة الزغاوة مغادرة المدينة الا عبر ترتيبات معينة والتنسيق مع بعض قوات الدعم السريع من أبناء القبيلة حتى يتمكنوا من الخروج من المدينة “كانوا بستهدفوا الزغاوة تحديدا بسبب المشتركة، لا أحد يستطيع الخروج من أبناء الزغاوة إلا عبر تنسيق مع أبناءهم في الدعم السريع ودفع مبالغ مالية لقاء ذلك”.
وأفاد أحد الناجين أنه كانت تتم معاقبة الناس بالضرب والاعتقال حال العثور على سندات من العملة الجديدة التي تمت طباعتها بعد قرار تغيير العملة من قبل حكومة القوات المسلحة في بورتسودان كما أن الوثائق الثبوتية نفسها باتت دليل إدانة حيث يتم إيقاف معظم الذين تثبت وثائقهم بانهم من الفاشر الامر الذي جعل الفارين عبر بوابة قرني يتخلصون من العملة الجديدة ووثائق الفاشر قبل وصول بوابة قرني، بينما كان يتم التجاوز عن كل من يقول إنه من مكان آخر، خصوصا أولئك الذين يقولون إنهم من نيالا “طالبونا بالمستندات نحنا ناس الفاشر بالتحديد”.
وذكر عدد من الشهود أن العديد من الجثث كانت ملقاة على طول الطريق حيث تتغذى عليها الكلاب والطيور “الجثث ملقاه على امتدا د الطريق الكلاب بتأكل والطيور بتأكل على طرفي الطريق” وأيضا “في بعض الجثث مجدوعه في الشارع بقولو ليك انو ديل الناس البهربو بضاعة مصيرهم الموت خلوهم كده بس”. فيما قال آخر أن هناك المئات من الناس قتلوا عبر الطريق الغربي الذي لا يمر عبر منطقة قرني، وهو طريق شقرة “مئات الناس قتلوا في طريق شقرة، وهو الطريق الغربي حيث لم يأتوا عبر البوابة”. وأكد متحدث آخر أن معظم الإعتداءات كانت تتم في الطريق بين الفاشر وقرني حيث ينتشر مسلحي الدعم السريع “طلعنا الصبح، ولقينا ناس الدعم السريع في البوابة، حيث يتم النهب والإعتداء على الناس، كان يتم تفتيش كل الفارين من الفاشر، وأصعب الأماكن كانت في المسافة ما بين الفاشر إلى قرني، حيث يتم تفتيش ونهب وإغتصاب الناس في الطريق”.
وأكد شهود إنهم شاهدوا كل من الجنرال علي رزق الله (السافنا) والقائد التجاني إبراهيم موسى (الزير سالم) في نقطة الإرتكاز الرئيسية التي يصل اليها الناجين من عذابات نقاط التفتيش الداخلية حيث التعدي وممارسة الإنتهاكات المختلفة، بينما يتم فحص الواصلين مرة أخرى، وتصنيفهم وإعادة بعضهم إلى معتقلات الدعم السريع شرقي الفاشر، حيث قال أحدهم “ تم القبض على عدد كبير من الناس وإعادتهم إلي المعتقلات، منهم من تم ترحيلهم إلى نيالا”. وبين إثنين من المتحدثين أنهم شاهدوا السافنا والزير سالم في وقتين مختلفين، حيث شاهدهم الأول في بتاريخ ١٥/١٠/٢٠٢٥م في نفس المكان التي شاهدتهم فيه سيدة أخرى بتاريخ ٢٦/١٠/٢٠٢٥م. وأضافت سيدة أخرى تم إيقافها مع مئات الفارين يوم سقوط الفاشر “كان معاهم القائد سافنا والزير سالم، بعداك حركونا في طريقنا قرني جابو جرارات كبيرة فقالو كل الناس نسوان على رجال يرفعوهم ما عارفين الجهة النمشي عليه فانا رفضت الركوب في العربات رفعوا الناس في الجرارات نسوان على رجال ومشو”.
وتجدر الإشارة إلى أنه ورد إسم التجاني إبراهيم موسى (الزير سالم) ضمن قائمة قيادات الدعم السريع الذين تمت معاقبتهم بواسطة الإتحاد الأوروبي والتي ضمت الفاتح إدريس (أبولولو) الذي إشتهر بقتل المواطنين أمام الكاميرا وآخرين بسبب الإنتهاكات التي وقعت في الفاشر والتي قالت عنها الأمم المتحدة أنها ترقى إلى جرائم حرب، فيما شوهد الجنرال علي رزق الله (السافنا) حيث كان يأمر بإغلاق مصادر المياه في منطقة خزان قولو التي تعتمد عليه المدينة بشكل كلي.
إحتجاز وإغتصاب وتشغيل النساء
وروت عدد من السيدات قصصا مروعة عن عدد من حالات الإعتداء الجنسي من قبل قوات الدعم السريع أثناء هجومها على مدينة الفاشر طوال فترة الحرب، في وقت تركزت فيه الأنظار بصورة أساسية حول عمليات القتل والاختطاف والاعتقالات دون أدنى تركيز على الممارسات التي وقعت ضد النوع بصورة أساسية وخصوصا التعدي الفردي والجماعي ضد النساء طوال أيام الحرب، سيما لحظة الفرار الكبير مع سقوط المدينة، وهي جريمة ترقى لمصاف جرائم الحرب الكبرى التي أعطيت مجال كبير في عمليات العدالة في نزاعات مختلفة شبيهة.
وحكى عدد من الشهود والناجيات عن مشاهد مروعة وتجارب شخصية قاسية جدا، حيث أفادوا بإنه كان يتم إغتصاب النساء بصورة متكررة على طول الطريق وأمام المارة، وحتى أمام أعين ذويهم. وقال شاهد عيان كان ضمن مجموعة من الفارين من الفاشر أنه كان يتم الاعتداء وإغتصاب الفتيات من قبل منسوبي الدعم السريع أمام الأهالي ودون أدنى إعتبار للناس، حيث كانوا شهودا على حالة إغتصاب لإمرأة تم جرها من أمامهم “ في طول الطريق اذ وجدو بنت مارة بالطريق سيتم اغتصابها، كان بمعيتنا امراة كبيرة مع بنتها تم اقتيادها امامنا واغتصابها”.
وأفادت ناجيات وشهود عيان آخرين تحدثوا إلى فريق التحقيق، إن مسلحين من قوات الدعم السريع أقدموا على إغتصاب الفتيات والنساء الفارات من الفاشر وأخريات كانت بمراكز إحتجاز مخصصة في النساء داخل المدينة. وذكرت سيدة، تم حجب إسمها لدواع السلامة، أنه تم القبض عليها في ساعات متأخرة من مساء أحد الأيام عندما كانت تحضر حمارها بغرض مغادرة المدينة، إلا أنه تم القبض عليها بتهمة التخابر لمصلحة القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها و من ثم إرغامها للمبيت ليلة كاملة معهم في غرفة منفصلة قبل إقتيادها إلى مقر حبس السيدات شرقي المدينة حيث قضت أكثر من شهرين في المعتقل. وكشفت السيدة إنها كانت ضمن أخريات يتم استغلالهن في الاعمال المنزلية لخدمة كبار قادة الدعم السريع بينهم قائد تسبب في حمل فتاة كان يستغلها في منزلها. كما أشارت إلى أن ثلاثة فتيات أخريات قد حبلن جراء الاستغلال الجنسي بواسطة منسوبي الدعم السريع “عندما كنا في السجن كانوا يستخدموننا في الطبيخ خصوصا عندما يكون لديهم ضيوف وفي بيوت القادة”، وأضافت “قائد بالدعم السريع إسمه (....) أخذ إحدى الفتيات في بيته وحبلت أثناء وجودها معه”. وأشارت المتحدثة أن عدد ممن أطلق سراحهم أعيد إعتقالهم مرة أخرى بينهن الدكتورة خديجة محمد أحمد مدير عام وزارة الصحة بولاية شمال دارفور وأخريات.
وحكت ذات السيدة أنه بعد إطلاق سراحها بعد شهرين من الحبس أنها وجدت أن أسرتها قد تشتت جراء سقوط قنبلة في منزلها حيث قتل أربعة على الأقل من أفراد الأسرة خلال ذلك فيما أصيب إثنين آخرين، لتجد نفسها وحيدة تبحث عن أسرة كانت تنتظرها أن تؤمن وسيلة الخروج حيث تم القبض عليها.
فيما حكت سيدة أخرى فرت من معسكر زمزم بعد السيطرة عليه من قبل قوات الدعم السريع في أبريل ٢٠٢٥م، أنه تم الإعتداء عليها ضمن ثلاثة نساء أخريات، بينهن امرأة مسنة، عندما كن في طريقهن إلى منطقة طويلة حيث تقيم الآن. وأوضحت السيدة أن مسلحين ملثمين يقدر عددهم بحوالي ١٤ شخص يرتدون الزي العسكري ويمتطون الدراجات النارية والجمال قد أوقفوهن برفقة أقرباءهن وتم الاعتداء بالضرب عليهن وعلى ذويهن، ومن ثم تم اقتيادهن إلى جانب طريق المارة والاعتداء عليهن جنسيا. وبينت أنها تم الإعتداء عليها في الحال بواسطة ثلاثة أشخاص، بينما رفض الرابع عندما دعي إلى إغتصابها عندما قيل له “خذها، إنها فريسة طازجة، لكنه رفض قائلا أنا لقيت ١٤ فريسة منذ يوم أمس؛ ومن ثم تبول على وجهي”. كما أكدت أنه تم الإعتداء على ثلاثة أخريات كن بصحبتها في ذات المكان، وتم ضربهن بقوة تسبب في إعيائها لعدة أيام إلا أنها لم تستطيع إخبار ذويها لحظة وصولها بما حدث لها. وكشفت أنها لم تستطيع العيش مع أسرتها بعد أن إنكشف أمرها، ما آضطرها للعيش مع أقرباءها بمنطقة مجاورة، لكنها لا تزال معزولة تماما وتعيش في منزل شيد لها وحدها، أضافت “أنا من حصل معي الحدث ده ما أتمسحت زاتو” في إشارة إلى أنها لم تعد تهتم بنفسها، وأضافت “فكرت في الانتحار عدة مرات” في إشارة منها إلى الصدمة التي تعانيها جراء عملية الإعتداء. وبينت الناجية أن حضورها لورشة دعم الضحايا قدمتها المجلس النرويجي للاجئين (إن آر سي) جعلتها تعيد زمام أمرها، حيث قال “الدكتور لما كان بتكلم أنا كنت ببكي بس، فناداني بعد الورشة وخلاني أتكلم وأحكي قصتي، كما أن دعمهم المادي مكنني من ترتيب نفسي، لكني لا أزال معزولة وأعيش لوحدي”.
وكشف عدد من شهود العيان إن قوات الدعم السريع كانت تستخدم المدارس والمؤسسات الأخرى لحبس المواطنين. وروت إحدى الكوادر الطبية إنها وثلاثة من أفراد أسرتها تم إيقافهم مع عدد حوالي ١٥٠ شخص آخرين في محيط مطار الفاشر صبيحة سقوط المدينة بواسطة قوات الدعم السريع عندما كانوا يحاولون الخروج نحو مدينة طويلة حيث يتجه أغلب الفارين، ومن ثم أخذهم إلى مدرسة بحي أم شجيرة بالقرب من مدرسة الشوامخ حيث تم إحضار العديد من الناس، أغلبهم من النساء. وبينت السيدة أنه بعد المغرب مباشرة بدأ العساكر يأخذون البنات واحدة تلو الأخرى وإغتصابهن في الجانب الغربي للمدرسة بالقرب من الحمامات، حيث بدأت القصة بحجة التفتيش وكان يطلب من السيدات اخذ إمتعتهن معهن للتفتيش حيث يتم إغتصابهن حيث قالت إنه تم أخذ بنت أختها التي كانت برفقتها وإغتصابها حالا بينما رفضت هي وأختها الأخرى عندما أتوا لأخذهن “رفضت أن أذهب معهم، وقلت ليهم أنا مصابة، وأثناء ما كنت أتشاجر جاتني بت أختي جارية وهي تبكي وتصرخ خالتو (تناديني باسمي)، البت دخلت في حالة حتى بدانا نبكي كلنا”. وذكرت السيدة (الدكتورة) أن عملية الإغتصاب توالت في ذات اليوم لتشمل العديد من الفتيات حيث سيقت البنات واحدة تلو الأخرى، بينهن من تم إرجاعها صبيحة اليوم التالي حيث يعتقد أنها كانت في بيت أحد قادة الدعم السريع “في صباح اليوم الثاني تم أخذ أختي إلى خارج المدرسة، ولكن أخي تمكن من ملاحقته وإرجاعها، وبعده تم أخذ بنت أخرى وإغتصبها مكان مجاور حتى أغمي عليها”.
كما روت موظفة بالخدمة العامة بولاية جنوب دارفور نزحت إلى الفاشر بسبب القتال في نيالا، إنها وعدد أكثر من سبعمائة أسرة كانوا يقيمون في مدرسة الجنوبية بنين وذلك لصعوبة الحصول على مساكن في الفاشر نتيجة تزاحم السكان وإضطراب بعض الاحياء بصورة مستمرة، حيث قالت إن أسرتها وحوالي ٥٧٠ أسرة أخرى اضطروا للخروج من المدرسة بسبب كثافة التدوين يوم سقوط الفاشر واتجهوا نحو الأحياء الجنوبية بحي دبة أم شجيرة، حيث قتل شقيقها وآخرين لحظة الخروج بسبب قذيفة سقطت عليهم أثناء سيرهم. وأوضحت السيدة أنها تمكنت بمعاونة النازحين الآخرين بأخذ جثمان أخيها ليدفن في حي أم شنيبات الطرفي الذي كان يخلو من السكان عدا سيدة واحدة مسنة إستأذنوا للبقاء عندها حتى دفن المتوفي. وبينت السيدة عندما كان الرجال يقومون بدفن الجثمان في المقبرة، هجمت قوة من الدعم السريع بعدد أربعة سيارات على النساء اللواتي كن معها في منزل السيدة المسنة، وأوسعوهن ضربا وتعذيبا، كما قامت القوة بإغتصاب جميع السيدات الـ ١٩ اللواتي كن معها عدا السيدة المسنة صاحبة المنزل والتي تبدو على أنها من المجموعات العربية مع الإساءة إليهن بألفاظ عنصرية وإهانات غير محدودة “قالوا لينا أن المتوفي ده فرد من الجيش، وضربونا وإغتصبوا جميع السيدات عدا السيدة المسنة، رغم أني نفيت لهم صلته بالجيش، كما أتهموني بأني ضابط بالسجون و هو غير صحيح”. وزادت السيدة إنه تم تعذيبها وحرقها بأعقاب وموقد السجائر لإجبارها على الاعتراف بإنتماءها للقوات المسلحة حيث إستمر التعدي عليهن من حوالي الساعة ١٢ منتصف النهار حتى الخامسة مساء “بقو يولعو السجائر ويطفو في جسمي، ويولعوا الزناد ويمشوه على جسمي، حتى الآن آثار التعذيب موجودة”.
خندق الموت ؛الترتوار؛ وقتل أبناء الفاشر
وفيما كان الفرار العشوائي هو المخرج الوحيد لكل الذين نجوا من الرصاص المباشر لحظة اقتحام المدينة صبيحة السادس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢٦م، إلا أن الخندق الذي حفرته قوات الدعم السريع كان يعتبر خط الإعدام الرئيس لآلاف المواطنين الذين لم يكن أمامهم فرصة إختيار طريق نجاة آخر من وابل الرصاص بين طرفي النزاع، خصوصا قوات الدعم السريع التي كانت تطارد الفارين وقتلهم دون تمييز، تارة برصاص البنادق الشخصية وتارات أخرى بنيران المدافع الثقيلة والمسيرات التي ظلت تلاحق الفارين، وفق الشواهد والأدلة التي تحصل عليها فريق التحقيق، كما تحصل الفريق على عدد من الوثائق الشخصية للقتلى التي تظهر أن أغلب الضحايا هم من أبناء مدينة الفاشر.
وذكر مسن تمكن من الوصول إلى منطقة طويلة بجبل مرة بعد حبسه لمدة ١٦ يوم في مركز الأطفال متعدد الأغراض شرقي الفاشر والذي حولته قوات الدعم السريع إلى إحدى سجونها، إنه تحرك مع مواطنين يقدر عددهم بحوالي خمسمائة شخص تحركوا من الفاشر عبر طريق حلة هشابة وحلة الشيخ حيث تم إيقافهم من قبل قوات الدعم السريع ومن ثم أخذهم إلى منطقة الترتوار (الخندق)، حيث الضرب العشوائي الجماعي، مما تسبب في مقتل العديد منهم. وبين أنه تم حبس المجموعة طوال اليوم من التاسعة صباحا حتى السادسة مساء. وبين المصدر أنه تم إستجواب العديد من الناس كما قتل عدد كبير منهم بحجة أنهم عساكر، ومن ثم تحركوا إلى منطقة قرني ليتم رفعهم عبر شاحنات إلى معتقل مركز الاطفال شرقي الفاشر، حيث قال “قضيت ستة عشر يوم ومورست فينا جميع الممارسات بما في ذلك الضرب، كان يتم معالجة الناس محليا وحقن الناس بالأدوية، وكان الناس يموتون بمعدل ١٥ – ٢٠ شخص يوميا”.
ومن الجانب الآخر (الخارجي) للخندق، أفاد أحد شهود العيان من الذين كانوا في الجهة الأخرى من الخندق،
وعمل ضمن آخرين لاحقا على جمع جثث آلاف الموتى التي غطت أرجاء القرى خصوصا في الاتجاه الغربي للمدينة عبر طريق حلة الشيخ و شقرة، وحلة داجو مرورا بأم جدول إلى حلة إبراهيم تكتيك القريبة من جبل وانا، إن الجنرال عبدالرحيم حمدان دقلو قائد ثاني قوات الدعم السريع كان يقود المقاتلين بنفسه لملاحقة الفارين عبر الخندق حيث قتل الآلاف من الفارين دون تمييز “يوم السقوط، حتى عمك عبدالرحيم زاتو جاء بي نجدتو، مشغل نجدتو وبطارد الناس لا بعرف مواطن لا بعرف غيرو، ويشجع الناس في القتل، مشغل نجدتو عديل كده”.
وذكر المصدر الذي فضل حجب هويته، أنهم قاموا بدفن حوالي أربعة ألف جثة يرتدي جميعهم الزي المدني، مبينا أن من بين القتلى نساء بصحبة أطفالهم حيث يعتقد أن الأطفال توفوا في وقت لاحق بسبب العطش، حيث قال “في امرأة ضربوها شرق قرني (ب) ومعها شفع ثلاثة، جميعهم ماتوا من العطش، وهناك إمرأتين قتلن ولديهن إطفال في طور الحبو قد ماتوا أيضا بسبب العطش بعد مقتل أمهاتهم، شغل بتاع جهل جد”، مبينا أن عملية الدفن تمت على محلات متفرقة على إمتداد القرى المذكورة كما حوت المقبرات أعدادا مختلفة حسب تشتت الجثث “دفنا الجثث بأعداد مختلفة، من ١٠ إلى ١٥ جثة في المقبرة الواحدة، وأحيانا خمسة، في محلات أخرى ٢ و٣ و ١، لكن الأغلب دفنا ١٠ – ١٥ – ٢٠ شخص. لا يزال هناك عدد كبير من الجثث حتى الآن الوديان القريبة من الجبل لم يتم دفنها”.
وأفاد مراقبون ميدانيون ممن تمكنوا من الخروج من الفاشر قبل أيام من سقوط المدينة، إن الخندق تم حفره بآليات كبيرة حيث إستمرت عملية الحفر حتى سقوط المدينة ليشمل الأجزاء الجنوبية والغربية والشمالية للمدينة “ حفروا كل الاتجاهات عدا الاتجاه الشرقي لأنهم كانوا مسيطرين عليه “الحفر من زمزم وإنت ماشي إلى شقرة إلى الشمال الغربي وشمال الفاشر”. ووصف أحد المراقبين بأن عمق الخندق بأنه يبلغ حوالي ثلاثة إلى أربعة أمتار مما يصعب تجاوزه بسهولة “الترتوار طويل خالص، هو ساتر ترابي”.
لم يكن هناك مخرج من الفاشر
وحقق فريق التحقيق المؤلف من فولت لاينز ولايتهاوس ريبورتس وسودان وور مونيتور في حصار الفاشر، حيث سافر الفريق إلى مستوطنة اللاجئين السودانيين في كرياندونغو بيوغندا حيث يقيم أكثر من ٨٠ الف لاجئ سوداني، لإجراء مقابلات مع ناجين من الحصار والهجوم الكبير الذي أودى بحياة الآلاف من المدنيين. يمكنكم مشاهدة المزيد في الفيديو أدناه:


