مرصد حرب السودان :متابعات
في أكتوبر 2025، أسفر هجوم وحشي على المستشفى السعودي في مدينة الفاشر بالسودان عن مقتل المئات.
وكان من بين الناجين الدكتور محمد الذي تمكن من الفرار من جحيم العنف، ليواجه بعد ذلك أساباً من الأسر المروع، ورحلة هروب استمرت شهراً كاملاً وصولاً إلى الحدود.
وفي الذكرى السنوية لسقوط المدينة، يشارك الدكتور محمد شهادة شخصية مؤثرة، يروي فيها تفاصيل هروبه المرعب، والجروح الخفية التي خلفتها الحرب، وآماله الراسخة في نهضة دارفور من جديد، كان اليوم الذي سبق السقوط يوماً بالغ الصعوبة.
تدهور الوضع بسرعة فائقة، إذ استمر القتال طوال النهار وامتد إلى ساعات الليل، بينما كانت أصوات المعارك تقترب أكثر فأكثر.
قال محمد ’’ بحلول الساعة العاشرة مساءً، ازداد الوضع سوءاً وخطورة، فبدأنا بتحذير الجميع من جسامة الموقف، استمرت تلك الليلة الطويلة حتى الساعات الأولى من صباح يوم 26 أكتوبر 2025 ‘‘.
بعد منتصف الليل، تفاقم القتال وازدادت الفوضى، حيث شهدت الشوارع تحركات مريبة وسادت حالة من الذعر، وفي الفترة ما بين السادسة والسابعة صباحاً، وبعد مداولات مكثفة، اتخذنا قراراً بالمغادرة.
التعرض للضرب
اضاف محمد ’’ كان المشهد في الشارع مروعاً، حركة الناس، والقتال، والقصف، وكلما تقدمنا في مسيرنا، انضم إلينا المزيد من الأشخاص، كان الناس يسيرون في صمت، والدموع تملأ أعينهم، وبعد خمس وعشرين دقيقة من السير، أُوقفنا للمرة الأولى ‘‘.
تعرضنا للتفتيش والضرب والإهانة، حتى عبرنا الخندق المحيط بمدينة الفاشر. وفي تلك اللحظة، بدأوا بجمعنا، لنجد أن هناك أشخاصاً آخرين قد وصلوا قبلنا؛ أظن أن عددنا تجاوز عشرة آلاف شخص.
حسب التقرير الذي اصدرته اوتشا يوم الخميس التاسع والعشرين من اكتوبر 2026، اوضح الطبيب ’’ جلسنا تحت أشعة الشمس، متحملين الضرب والمزيد من الإهانات، لم نحصل على أي طعام أو ماء منذ اليوم السابق، وبقينا هناك حتى الفجر، ثم اقتادونا إلى قرية قرني التي تقع شمال غرب مدينة الفاشر.
الأسر والهروب
قال ’’ بقيت في الأسر لأيام فقدت القدرة على عدّها، كانت تلك أسوأ وأكثر الأيام إذلالاً في حياتي كلها، وبعد فترة، تمكنت من الفرار، استطعت الهروب من السجن، وفي وقت لاحق، عثرت على وسيلة للتواصل مع عائلتي، كانت لحظة ممزوجة بالألم والأمل ‘‘.
قال ’’ مرحباً، أنا على قيد الحياة، فجاء الرد من الطرف الآخر، أنت على قيد الحياة ‘‘.
رحلة الخروج من السودان
يروي محمد بعد فترة من المعاناة، واصل الرحلة تنقل بين القري والاحياء، مستعينا بالحمير تارة، وبالسير علي الاقدام تارة اخري، في بعض الاحيان لم تفصله عن اولئك الذين كان يفر منهم سوي امتار قليلة.
يروي ’’ على الطريق، واجهتُ مشاهد مؤلمة للغاية؛ عشرات الجثث التي بدأت بالتحلل، أثارت تلك المشاهد في نفسي هواجس حول زملائي ومعارفي، وتساءلت: هل سيكون مصيري كمصير هؤلاء؟ ‘‘.
اضاف ’’ راودتني فكرة أنني قد أموت دون أن يصلي عليّ أحد، أو يواريني الثرى، أو يعرف مكاني، أو يزور قبري، فكرتُ في عائلتي وأحبائي، كانت أياماً في غاية الصعوبة ‘‘.
قال ’’ واصلتُ رحلتي حتى بلغتُ ملاذاً آمناً، منطقةً محايدةً عند الحدود، ثم عبرتُ الحدود السودانية، ورغم وجودي في مكانٍ آمن، ظل شعور الملاحقة يطاردني، وكأنني سأُعتقل في أي لحظة ‘‘.
تأملات وآمال
قال الطبيب ’’ لم يكن تفكيري ينصبّ إلا على زملائي وعائلتي وأحبائي الذين لا يزالون في الفاشر، نعم، غادرتُ الفاشر ووصلتُ إلى مكانٍ آمن، لكنني لا أزال أفتقر إلى الأمان النفسي والروحي، ورغم كل ما مررنا به، لا يزال يحدوني الأمل بأننا سنعود يوماً إلى الفاشر، لنرى مدينتنا تستعيد نبض الحياة. كثيراً ما يراودني حلمٌ بأن تضع هذه الحرب أوزارها، لتبدأ العائلات بالعودة إلى الفاشر، ويعود الأطفال إلى مدارسهم، ونسمع مجدداً رنين أجراس المدارس، وتستأنف الجامعات نشاطها ‘‘.
و ستُعاد بناء المرافق والخدمات والمستشفيات، لتؤدي دورها مجدداً في خدمة أهالي دارفور، فالفاشر لم تكن مجرد عاصمة لولاية شمال دارفور، بل كانت مركزاً يخدم الإقليم الغربي بأسره وصولاً إلى تشاد، لا سيما في القطاع الصحي.
اوضح ’’ أما على الصعيد الشخصي، فآمل أن أتعافى من آثار ما مررتُ به، وأن أواصل مسيرتي في تخصصي ودراستي، وأمضي قدماً في شغفي بالعمل الإنساني، أريد مساعدة زملائي وجميع أهالي السودان، لا سيما سكان مدينة الفاشر، على استئناف حياتهم من جديد ‘‘.
قال ’’ آمل من أعماق قلبي ألا ينسى الناس قصص من فقدناهم، وأن يتذكروا العالم الذي عرفناه، وما قدمه العاملون في القطاع الصحي خلال فترة الحصار في الفاشر، والمعاناة التي مروا بها، فقد واصلوا تقديم خدماتهم بكل تفانٍ ونكران للذات، في ظل الجوع والقصف ‘‘.
ذكّروا العالم
قال الطبيب ’’ رسالتي إلى العالم هي أن يدركوا أن المعاناة لم تنتهِ يوم سقطت مدينة الفاشر، بل هي في تزايد مستمر، لقد حمل هؤلاء الناس معاناتهم معهم إلى مخيمات النازحين داخلياً، وإلى المدن والبلدان التي لجأوا إليها، نعم، نجا البعض من الموت، لكنهم لا يزالون يكافحون من أجل تجاوز آثار ما مروا به ‘‘.
قال ’’ كما أود أن أذكّر العالم بأن الكوادر الطبية والإنسانية التي بقيت في الفاشر لخدمة مجتمعاتها ليست مجرد أبطال يُشار إليهم في القصص الإنسانية أو التقارير الإخبارية أو تقارير حقوق الإنسان، فهم بشر لديهم عائلات وأحلام، وكثير منهم يحتاجون اليوم إلى الدعم والرعاية والتضامن، إنهم بحاجة إلى فرصة للعودة إلى عملهم ومواصلة دعم مجتمعاتهم من جديد ‘‘.
اضاف الطبيب أفتقد الفاشر أكثر مما تتخيلون، شوارعها، وأحياءها، وأسواقها، بالنسبة لي، لم تكن الفاشر مجرد مدينة، بل كانت حياةً بأكملها ‘‘.
دعم السكان في الفاشر
يقدم صندوق السودان الإنساني (SHF) الذي يديره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) الدعم للسكان في الفاشر ومناطق أخرى في ولاية شمال دارفور، وذلك من خلال شركاء العمل الإنساني على الأرض.
فمنذ يناير 2026، خصص الصندوق ما يقرب من 24 مليون دولار لدعم المساعدات الإنسانية في محلية الفاشر، مما ساعد في الوصول إلى أكثر من 371 ألف شخص ممن هم في أمسّ الحاجة إليها.
وعلى مستوى ولاية شمال دارفور، خصص الصندوق هذا العام أكثر من 130 مليون دولار لتوفير مساعدات تنقذ حياة الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمعات المحلية.


